بقلم حسن النجار

بقلم – حسن النجار: أطفالنا بين إدمان الشاشات ومخاطر العالم الرقمي الخفي

الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار عضو المكتب الفني للشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم

الوطن اليوم – بقلم – حسن النجار – 2 يونيو 2026 

بقلم | حسن النجار

لم تعد قضية حماية الأطفال على الإنترنت رفاهية يمكن تأجيلها، بل أصبحت ضرورة ملحة تفرض نفسها على المجتمعات والحكومات في ظل التوسع الهائل لاستخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي.

وفي هذا السياق، شددت الأمم المتحدة على أن ضمان سلامة الأطفال في الفضاء الرقمي يمثل أولوية قصوى، مؤكدة أن فرض قيود عمرية على استخدام المنصات الإلكترونية، كما فعلت بعض الدول، لا يكفي وحده لحماية الأطفال من المخاطر المتزايدة.

وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إن الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال عبر الإنترنت ليست أمراً حتمياً أو ملازماً لطبيعة الشبكة، بل هي نتيجة مباشرة لخيارات تصميمية وممارسات تجارية تعتمدها شركات التكنولوجيا،

مشيراً إلى أن خصائص مثل التمرير اللانهائي للمحتوى، والتشغيل التلقائي للفيديوهات، والإشعارات المستمرة، صُممت خصيصاً لجذب المستخدمين وإبقائهم أطول فترة ممكنة أمام الشاشات.

وأكد تورك أن حماية الأطفال رقمياً تتطلب إجراءات حقيقية تبدأ من مرحلة تصميم المنصات نفسها، بدلاً من تحميل الأسر والأطفال وحدهم مسؤولية مواجهة هذه المخاطر.

وفي مصر، تتواصل الجهود الحكومية لتعزيز حماية الأطفال في البيئة الرقمية من خلال حملات توعية متخصصة، إلى جانب التوسع في توفير “شريحة الطفل” التي تتيح باقات إنترنت آمنة مزودة بأنظمة لحجب المواقع غير الملائمة والمحتوى الضار.

كما يجري العمل على إعداد تشريعات جديدة تهدف إلى تنظيم استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، بما يضمن توافق المحتوى مع الفئات العمرية المختلفة، ويحد من التعرض للمضامين العنيفة أو غير المناسبة.

ورغم أهمية هذه المبادرات، تبقى المسؤولية الأسرية حجر الأساس في مواجهة التحديات الرقمية. فالكثير من الأطفال باتوا يقضون ساعات طويلة أمام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، بعيداً عن الأنشطة الاجتماعية والتعليمية والتفاعل الطبيعي مع الأسرة والمجتمع.

وأصبحت الألعاب الإلكترونية ومنصات الفيديو القصير جزءاً رئيسياً من حياة الأطفال، حتى إن بعضهم يعيش داخل عالم افتراضي منفصل عن واقعه، ما يهدد بزيادة مشاعر العزلة والاغتراب الاجتماعي، فضلاً عن تعرضهم لمخاطر التنمر الإلكتروني أو محاولات الاستغلال والتحرش عبر الإنترنت.

وفي المقابل، بدأت بعض المنصات العالمية في تطبيق إجراءات خاصة بحماية الأطفال، حيث توفر تطبيقات مثل “تيك توك” و”نتفليكس” إعدادات رقابية مخصصة للعائلات، تسمح بتحديد نوعية المحتوى المناسب للأطفال وفقاً للفئات العمرية المختلفة.

من جانبه، يدعو المجلس القومي للطفولة والأمومة إلى الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في تنظيم استخدام الأطفال للإنترنت، مع تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية الأطفال من مخاطرها.

ويشدد المجلس على ضرورة منع تعرض الأطفال لأي محتوى ضار أو غير مناسب لأعمارهم، وحمايتهم من التنمر والابتزاز والاستغلال الإلكتروني، مع أهمية عدم تداول صورهم أو بياناتهم الشخصية خارج الأطر القانونية المعتمدة.

كما يناشد المجلس الأسر والمؤسسات التعليمية والاجتماعية سرعة الإبلاغ عن أي انتهاكات أو ممارسات رقمية تهدد الأطفال من خلال خط نجدة الطفل 16000، مع تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر الاستخدام غير الآمن للإنترنت.

وعالمياً، اتجهت عدة دول إلى تشديد الرقابة على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث أقرت أستراليا حظراً على بعض المنصات لمن هم دون 16 عاماً، فيما ناقشت فرنسا تشريعات تمنع استخدام الشبكات الاجتماعية لمن هم دون 15 عاماً.

لكن الخبراء يؤكدون أن الحل لا يكمن فقط في فرض القيود العمرية، بل في تطوير بيئة رقمية أكثر أماناً، وإلزام شركات التكنولوجيا بتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية تجاه الأطفال.

وتبقى القضية الأخطر هي تعرض بعض المراهقين لمحتويات متطرفة أو إباحية أو تحريضية عبر الإنترنت، وهو ما يستدعي تكاتف جهود الدولة والأسرة والمؤسسات التعليمية لحماية الأجيال الجديدة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقهم في المعرفة والتعلم واستخدام التكنولوجيا بصورة إيجابية وآمنة.

إن معركة حماية الأطفال في العصر الرقمي لم تعد مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مجتمعية مشتركة تتطلب وعياً مستمراً وتشريعات فعالة ورقابة أسرية واعية، حتى لا نخسر جيلاً كاملاً لصالح عالم افتراضي قد يخفي خلف شاشاته الكثير من المخاطر.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى